سيد محمد طنطاوي
289
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قوله : * ( إِنَّه كانَ عَبْداً شَكُوراً ) * ما وجه ملاءمته لما قبله ؟ . قلت : كأنه قيل لا تتخذوا من دوني وكيلا ، ولا تشركوا بي ، لأن نوحا كان عبدا شكورا ، وأنتم من آمن به وحمل معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم ، والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم متصلون به ، فاستأهلوا لذلك الاختصاص . . « 1 » . وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - بأسلوب يرضى العقول السليمة ، والعواطف الشريفة . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل في بني إسرائيل وساق سنة من سننه التي لا تتخلف في خلقه فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 4 إلى 8 ] وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوه أَوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 )
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 438 .